الاثنين، مارس 27، 2006

أعيدوا للمساجد مكانتها


أعيدوا
للمساجد مكانتها


الشيخ صالح بن فوزان الفوزان




الحمد لله رب العالمين، أمر بالمسارعة إلى الخيرات، وحذّر من إضاعة الأعمار والأوقات،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وما له من الأسماء
والصفات، وأشهد أن محمّداً عبده ورسوله، حثّ على المبادرة إلى حضور الجمع والجماعات،
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين كان تنافسهم في الطاعات وسلّم تسليماً
كثيراً.

يقول تعالى: { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدّتْ لِلّذينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ
ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ الْعَظِيمِ
}

واعلموا أن الأوقات تمضي والأعمار تنقضي، ومن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل،
ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة، والجنة لا تُدرك بالتمني، ولا
بشرف النسب، ولا بعمل الآباء والأجداد، ولا بكثرة الأموال والأولاد، قال تعالى:
{ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُم بالّتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى
إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَاِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ بِمَا
عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ } ، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه.
فالجنة لمن آمن بالله وعمل صالحاً ولو كان عبداً حبشياً، والنار لمن كفر بالله
ولو كان شريفاً قرشياً.

إننا نرى الكثير ممن يتكاسلون عن الأعمال الصالحة وينشطون في طلب الدنيا ويتوسعون
في إعطاء نفوسهم ما تشتهي.

ولنضرب لذلك مثلاً في علاقة كثير من الناس بالمساجد وحضور الجمعة والجماعة، فنرى
الكثير يسكنون بجوار المساجد ولا يدخلونها ولا يعرفون فيها، يجاورون المساجد
ببيوتهم ويبعدون عنها بقلوبهم، وذلك دليل على ضعف الإيمان في قلوبهم أو انعدامه،
لأن عمارة المساجد بالصلاة والعبادة والتردد إليه من أجل ذلك علامة الإيمان.
قال تعالى: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مِنْ آمَنَ باللهِ وَاليَوْمِ
الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاّ اللهَ فَعَسَى
أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ } ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
« إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان » وتلا هذه الآية.

ترى هؤلاء يملؤون الأسواق ويأكلون الأرزاق، ولا يتجهون إلى المساجد ولا يشاركون
المسلمين في إقامة شعائر الدين { اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ
ذِكْرَ اللهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ
هُمُ الْخَاسِرُونَ } . حرموا أنفسهم أجر المشي إلى المساجد وما فيه من الحسنات
وتكفير السيّئات، وبقيت أوزارهم على ظهورهم.

والبعض الآخر من الناس- وهم كثير- يأتون إلى المساجد في فتور وكسل، ويمضون فيها
قليلاً من الوقت على مضض وملل، فالكثير منهم إذا سمع الإقامة جاء مسرعاً ثائر
النفس ودخل في الصلاة وهو مشوش الفكر، لم يُراع أدب الدخول إلى المسجد ولم يعمل
بسنّة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول: « إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم
السّكينة فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتمّوا » وفاته أجر التقدم إلى المسجد
وانتظار الصلاة، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يجلس ينتظر الصلاة
في المسجد كالمرابط في سبيل الله، وأنه يُكتب له أجر المصلي ما دام ينتظر الصلاة،
وأن الملائكة تستغفر له ما دام كذلك- لكن اليوم يؤذن المؤذن ويمضي وقت طويل والمسجد
خال ليس فيه أحد إلى أن تقام الصلاة فيأتون متكاسلين.

إن التأخر في الحضور إلى الصلاة كما أنه يفوت أجوراً كثيرة فهو أيضاً يفتح باب
التهاون بالصلاة ويجر في النهاية إلى ترك صلاة الجماعة، فقد روى مسلم في صحيحه
عن أبي سعيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخراً
فقال لهم: « تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى
يؤخّرهم الله »

فدلّ هذا على خطورة التأخر عن الحضور إلى الصلاة وأن المتأخر يعاقب بأن يؤخره
الله عن رحمته وعظيم فضله.. ويكفي في التنفير عن التأخير أن فيه تشبهاً بالمنافقين
الذين قال الله فيهم: { وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسَالَى } وقال
فيهم: { وَإِذا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى }

أعتقد أن هؤلاء لو كان يفوتهم بتأخيرهم طمع من مطامع الدنيا لجاءوا مع أول الناس
ولجلسوا في الانتظار الساعات الطويلة دون ملل، وما ذاك إلا لأن الدنيا أحب إليهم
من الآخرة. لقد أصبحت المساجد اليوم مهجورة مغلقة غالب الوقت لا تُفتح إلا بضع
دقائق وبقدر أداء الصلاة على عجل.

لقد أصبحت المساجد تشكو من قلّة المرتادين لها والجالسين فيها لذكر الله تعالى،
لقد فقدت الرجال الذين يسبحون الله فيها بالغدو والآصال لا تلهيهم تجارة ولا
بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار.


فقدت العاكفين والركع السجود الذين يعمرونها آناء الليل وأطراف النهار، فقد كانت
المساجد فيما مضى بيوتاً للعبادة ومدارس العلم وملتقى المسلمين ومنطلقهم، فيها
يتعارفون ويتآلفون ومنها يستمدون الزاد الأخروي ونور الإيمان وقوة اليقين، بها
تعلّقت قلوبهم وإليها تهوى أفئدتهم، هي أحب إليهم من بيوتهم وأموالهم، فلا يملون
الجلوس فيها وإن طالت مدته، ولا يسامون التردد عليها وإن بعدت مسافته، يحتسبون
خطاهم إليها ويستثمرون وقتهم فيها فيتسابقون في التبكير إليها.

هذه حالة السّلف في المساجد. واليوم كما تعلمون كثر التأخر عن المساجد وقل الجلوس
فيها، ففات بذلك من الخير الكثير على الأمة، وضعفت منزلة المساجد في قلوب كثير
من الناس وقلّ تأثيرها فيهم فظهر الجفاء وتناكرت القلوب وتفككت الروابط حتى صار
الجار لا يعرف جاره ولا يدري عن حاله.

فاتّقوا الله عباد الله وأعيدوا للمساجد مكانتها في قلوبكم، وبكروا في الذهاب
إليها، وأكثروا من الجلوس فيها، واسمعوا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم
من الحث على المشي إلى المساجد والجلوس فيها لعلكم تذكرون، عن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « صلاة الرجل مع الجماعة تضعف
على صلاته ببيته وفي سوقه خمساً وعشرين درجة، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء
ثم خرج إلى الصلاة لا يُخرجه إلاّ الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة
وحطّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، اللهم
ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة » [رواه البخاري].

وروى مالك في الموطأ: من توضّأ فأحسن الوضوء ثم خرج عامداً إلى الصلاة فإنه في
صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة، وأنه يُكتب له بإحدى خُطوتيه حسنة ويُمحى عنه بالأخرى
سيئة، فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا يسع فإن أعظمكم أجراً أبعدكم داراً قالوا:
لم يا أبا هريرة؟ قال: من أجل كثرة الخطا.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ألا أدلّكم
على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال:
إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة،
فذلكم الرباط فذلكم الرباط » [رواه مالك ومسلم].

وعن بُريدة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « بشّر المشّائين
في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة » [رواه أبو داود والترمذي]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « أحب البلاد
إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها » [رواه مسلم].

لقد عظّم الله شأن المساجد وأثنى على الذين يعمرونها بالطاعة ووعدهم جزيل الثواب،
قال تعالى: { فِي بُيُوتٍ أّذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوّ وَالآصَالِ . رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارةٌ
وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزّكَاةِ يَخَافُونَ
يَوْماً تَتَقَلّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ . لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ
مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ
حِسَابٍ }


وصلى الله
على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المصدر : موقع الأثري


الرزق


الرزق




حين نتحدث عن الرزق تذهب أذهان الكثيرين مباشرة إلى المال أو العقارات. وربما
تتجاوز بعض الأذهان هذا التفكير إلى ضرب آخر من الأرزاق كالأولاد مثلا أو الصحة
أو السعادة أو الزوجة.

وربما يصدق هنا المثل القائل: "كل يغني على ليلاه". فمن يجعل المال
شغله الشاغل يعتقد أن الرزق المطلوب هو المال. ومن يرى سعادته في العيال يرى
أن الله قد أكرمه حين حباه قبيلة من الأولاد فتيانا وفتيات، ويرى قرة عينه أن
يراهم حوله يمرحون. ومن الناس من يرى أن الله قد رزقه أكرم رزق، وقسم له أفضل
قسمة، إذا من الله عليه ووهبه خلقا حسنا فصدق فيه قول القائل:

فإذا رزقت خليقة محمودة فقد اصطفاك مقسم الأرزاق


 


ألوان الرزق

والرزق في الحقيقة تتنوع أصنافه، وتتباين صوره، فمنه الحسي كالمال والأولاد والزوجة
والعقارات والمنصب والدرجة العلمية, ومنه المعنوي كالعلم والرضا والسعادة وراحة
البال، ومنه ما يشمل جانبا حسيا وآخر معنويا كالصحة.

ومن الرزق أيضا الإيمان واليقين. ففي الحديث: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب
يصيبه"، وفي الحديث الآخر: "إن للمعصية ظلمة في القلب وسوادا في الوجه
وإن للحسنة ضياء في القلب وسعة في الصدر ونورا في الوجه".

وليس هذا كله إلا حديث عن الإيمان، إذ أنه لون من ألوان الرزق، يتفاوت ويتباين
بتباين صلة العبد بالله، ومقدار استعداده لتلقي رزق الله. وهذا ما يعنيه طيف
من أطياف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن للقلوب إقبالا وإدبارا,
فإن أقبلت فزيدوها وإن أدبرت فألزموها الفرائض".

وإذا كان الرزق هكذا فلا بد أن القلوب النابضة بالإيمان، القلوب المخبتة لله،
القلوب التي تستشعر المعصية عن بعد، هي نفسها رزق من الله عز وجل، يقسمه بين
عباده كما يقسم المعايش بينهم: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ
بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}
(الزخرف: 32).


 


قلبك في جنة الآخرين

وحديثنا عن القلوب التي هي رزق من عند الله. يشمل أمرين، هما: قلبك أنت، وقلوب
الآخرين. ولنبدأ بقلبك أنت على حد قول سيد الخلق: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول".
وقلبك هذا رزق من الله، فمن ذا الذي غرس فيه الرحمة سواه، ومن الذي ينعم عليك
بإحساس الحنو والرفق، حينما ترى ما يدعو لذلك.

من ذا الذي يرزقك إحساس الوجل والخشية حينما تتلي عليك آيات الله: {الَّذِينَ
إِذَا ذُكرَ اللهُ وجلت قُلُوبُهُمْ} (الأنفال:2). من ذا الذي يلين قلبك لذكره:
{ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى
اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}
(الزمر:23).

أليس من رزق الله لك أن وهبك قلبا متحركا حساسا يطرب للخير، وينشرح به، ويفزع
من الشر وينقبض منه؟ أليس من رزقه لك أن وهبك قلبا تتحرك أوتاره، حينما تتلى
كلمات الله، فيرسل إشارته للعين لتدحرج على الخد دمعة ساخنة من قلب حرارة المعصية
والتفريط؟

أليس من رزقه ووافر نعمته أن وهبك قلبا، يرحم الضعيف ويئن لأنين المساكين, يحب
الصغار، ويرسل إشارته لليدين لتتحركا بلمسة حانية على رأس يتيم، أو صدقة ضئيلة
لجيب مسكين، فتضع البسمة على شفتيه، طالما عاشرها الحزن وقست عليها الأيام.

وإن قالوا إن الصحة تاج على رءوس الأصحاء لا يحس به إلا المرضى, لقلنا إن الرزق
نعمة في يد أصحابه، لا يحس به إلا من فقده. والقلب رزق لا يحس به إلا من حرم
نعمة القلب. ولنا في القرآن خير دليل, حين نقرأ: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد:24).

فكأن القرآن يعرض بالقلوب التي حرمت رزقها من نعمة التدبر، فصارت موصدة الأبواب
لا تستقبل نعمة الله. وفي الحديث عن الرجل الذي قال للنبي حين رآه يقبل الحسن
والحسين: "إن لي عشرة من البنين ما قبلت واحدا منهم قط"، فرد عليه
النبي قائلا: "وما علي إن كان الله قد نزع الرحمة من قلبك, من لا يرحم لا
يُرحم".

وكأن النبي يشير من طرف خفي إلى أن هذا الرجل قد رزق الرحمة، التي يفيضها الله
على قلب من أراد من عباده. وحرمانه من الرزق يجعل قلبه في مصاف القلوب التي منعت
فضل الله سبحانه. بل إن القرآن يعيب على من تملكوا القلوب -آلة وجسما- ثم حرموا
نعمة الرزق القلبي، الذي يمكنهم من إدراك نعمة الله في الكون: {لَهُمْ قُلُوبٌ
لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} (الأعراف:7).

فكأنهم حازوا آلة القلب وحرموا رزقها من الفقه والفهم والوعي. ومن حرمان رزق
القلوب أن يختم الله على القلب, فلا يتنسم روائح الإيمان، ولا يذوق برد اليقين،
وذلك حين ينشغل المرء بلذة الجسد عن لذة الروح، ويقطع قلبه عن مصدر رزقه وولي
نعمته: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى
عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً
فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (الجاثية: 23).

وحينما يحرم القلب رزقه من المشاعر والأحاسيس الفاضلة تنعدم فيه نوازع الخير
وتنضب فيه منابع الهدى، فلا يتحرك لنداء ولا يستجيب لدعوة، ويحال بينه وبين صاحبه:
{يا أيُها الذين آمنوا اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا
يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (الأنفال: 24). وحينئذٍ يقسو القلب، ويتحجر
حتى يصير أشد قسوة من الحجارة نفسها: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ
فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} (البقرة: 74).


 


ترابط القلوب

ويجهل الكثيرون قيمة المحبة في الله، وقرب القلوب وترابطها على معان سامية. فالله
سبحانه هو الذي يؤلف القلوب {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا
فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ
أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال: 63).

وتكون قلوب الآخرين هدفا للدعاة، الذين يضعون كل اهتماهم في كسب قلوب الناس.
وحين نقول إن القلوب رزق، نعني أنك قد تجد داعية من الدعاة قد من الله عليه بمحبة
الناس، فرزقه قلوبهم، وملكه مفاتيحها. فاستطاع أن ينفذ إليها بكل سهولة ويسر.
وآخر قد أوصدت أمامه أبواب القلوب فلم يعد لديه إليها سبيل، ولم يجد من الناس
إلا النفور والإعراض، إنهم لم يلتمسوا هذا الرزق (أي رزق القلوب) ممن يملك مفاتحه.

وإن كان الله قد ربط كسب الرزق والمعاش بالسعي فقال: "فامشوا في مناكبها
وكلوا من رزقه"، وجعل هذا كله في سورة تتناسب مع السياق، هي سورة الملك؛
فمن المناسب أن نقول إن السعي لطلب رزق القلوب أمكن وأجدر.

وما رزق النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرزق الواسع من القلوب إلا بمحبة الله
له، ومعونته له على كسب قلوب الناس والتأثير فيهم, ثم بصبره الواسع المتين ورأفته
ورحمته بهم, وحكمته التي جعلته أرعى لحالهم منهم وأبصر بأمرهم من أنفسهم: {وَاعْلَمُوا
أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ
لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي
قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ
هُمُ الرَّاشِدُونَ} (الحجرات:7).

إن المتبصر في حال القلوب يجد رزقها يزيد، طالما ارتبطت بالله واعتصمت به. فالمرء
إن ربط قلبه بالله هانت عليه الدنيا وزاد إيمانه وغمره فضل الله. فلا يفقد شيئا
طالما أن الله معه، على حد قول ابن عطاء الله السكندري: " إلهي! ماذا وجد
من فقدك, أم ماذا فقد من وجدك. عميت عين لا تراك عليها رقيبا, وخسرت صفقة عبدٍ
لم يجعل له من حبك نصيبا".

فالقلب الجاف لا ينشىء جدولا والقلب البارد لا يسعر ناراً, وما خرج من القلب
وصل إلى القلب، وما خرج من اللسان لم يجاوز الآذان. إن كان هذا طريق القلوب,
فهيا نسير فيه ليزداد رزقنا لقلوبنا ولقلوب غيرنا وعلى الله قصد السبيل.